مقالات

رفض تبني أمريكا لسياسة صناعية

كتبت الاقتصادية الأمريكية الكبيرة “آن كروجر” مقالا تناولت فيه بالنقد مشروع القانون الذي ناقشه مجلس الشيوخ مؤخرا والذي عرضنا له في مقال سابق.

وتذهب كروجر إلى أنه مع مشروع قانون الابتكار والمنافسة لعام 2021، تحتضن أمريكا بالكامل سياسة صناعية كحل شامل لنطاق عريض من المشكلات الاقتصادية، والاجتماعية، والاستراتيجية. ولكن كافة الأهداف في مشروع القانون يمكن تحقيقها حسب رأيها بشكل أكثر كفاءة بوسائل أخرى.

عندما تضع الحكومة هدف “انتقاء الفائزين” ودعم صناعات محددة، أو منتجات، أو مشروعات من خلال الإعانات، والحماية الجمركية، والإعفاءات الضريبية، وغيرها من الإجراءات، فهي تسعى لتنفيذ سياسة صناعية. وللمناصرين لمثل هذا النهج، فالفكرة هي أنه على الدولة التدخل لدعم “صناعات معينة تعد مهمة استراتيجيا” حينما يكون من المتوقع أن الأسواق والقطاع الخاص لن يفعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم.

و”على الرغم من تاريخها الطويل من الفشل” كما تقول كروجر، عادت السياسة الصناعية لتوضع على الأجندة في الولايات المتحدة. في بداية يونيو، وافق مجلس الشيوخ على مشروع قانون الولايات المتحدة للابتكار والمنافسة لعام 2021، والذي توخى دورا أكثر نشاطا للحكومة في الاقتصاد. ووفقا لرئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ شاك شومر، فإن التشريع سوف “يشكل قفزة في التنافسية الأمريكية ويضع استثمارات أمريكية هائلة في الابتكار والتصنيع لم تحدث منذ أجيال.” وسوف يذهب مشروع القانون الآن لمجلس النواب، حيث من المتوقع الموافقة عليه.

يوافق أغلب الناس على أن الحكومة لديها دور مهم ومحدد تلعبه في تقديم البنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، وغيرها من الخدمات العامة مثل البحث الأساسي. ولكن مشروع قانون الابتكار والمنافسة مليء بالنصوص التي تهدف إلى غايات أخرى.

وكما يشرح المحللون في منتدى العمل الأمريكي، يتضمن مشروع القانون نصوص عدة تهدف لمواجهة “النفوذ الصيني محليا وفي الخارج.” وتتضمن تخصيص تمويل متزايد للبحث التطبيقي من خلال هيئة البحث الوطني، وخلق منصات محلية أكثر للبحث، وإجراءات قوية لزيادة التنوع في أنشطة التعليم والبحث في مجال العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة والرياضيات.

وترى كروجر أنه على الرغم من أن هذه النصوص يمكنها أن تحقق جيدا أهدافها للتنمية الإقليمية والتنوع، فمن غير المحتمل أن تقوي قدرات أمريكا التصنيعية والدفاعية. فقد تم إعادة توجيه هيئة البحث الوطني لدعم البحث التطبيقي الذي يمكن تحقيقه بشكل أكثر إنتاجيه عن طريق القطاع الخاص، وسوف تكلف إدارة جديدة لهيئة البحث الوطني، بالتأكد من التوزيع العادل لتمويل البحوث لخلق وظائف محلية. ولكن كما تقول جريدة “وول ستريت” “فالبحث الفعال يتعلق بالأفكار، لا بالوظائف”

ويخصص مشروع القانون كذلك موارد من أجل الترويج للجامعات الأضعف في البحوث مع الجامعات الرائدة (التي تم تعريفها على أنها الجامعات التي تلقت أكثر من 100 مليون دولار من التمويل الفيدرالي للبحوث خلال الأعوام الثلاثة الماضية)، من أجل تحسين أنشطة التعليم في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في المجتمعات الريفية، ومن أجل تمويل منصات التكنولوجيا المحلية التي يمكنها محاكاة النجاح الذي حققه وادي السليكون. ويبقى أنه على الرغم من أن نظام التعليم الأمريكي له جوانب ضعفه، إلا أن جامعات البحوث ليست واحدة من هذه الجوانب. والجامعات الأمريكية الكبرى في البحوث هي مصدر للقوة الوطنية على المسرح العالمي. وتحويل الموارد بعيدا عن هذه الجامعات بشكل متعمد من أجل مساعدة المؤسسات الأضعف، أمر لا معنى له، سواء من منظور الاستثمار أو المنظور الاستراتيجي كما ترى كروجر.

علاوة على هذا، هناك وسائل أفضل بكثير لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المختلفة لمشروع قانون الابتكار والمنافسة. ومن بين أهم هذه الوسائل تقوية التدريب الفني. فهناك دلائل لا حصر لها على أن الولايات المتحدة تعاني من نقص في القدرات الفنية التي تحتاجها أسواق العمل اليوم. وقد أغلقت الدول الأخرى هذه الفجوة بتطوير تدريب أكثر كفاءة وبرامج للتدريب المهني. وتحسين المناهج وأداء المدارس في المراحل الابتدائية والثانوية، سوف يجهز الشباب أكثر من أجل المزيد من التدريب الفني وتعليم العلوم في الجامعات.

وبينما سينتج عن تقوية نظام التعليم الأمريكي نتائج كبيرة على المدى الطويل، فإن إصلاح قواعد الهجرة للسماح بالمزيد من العاملين في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات سوف يقوي من القدرات البحثية الأمريكية على الفور. وهذه الإجراءات لتحسين نوعية قوة العمل في الولايات المتحدة، سوف تعمل المزيد من أجل الابتكار والتنافسية عن الكثير من النصوص التي تضمنها مشروع قانون الابتكار والمنافسة.

وفي كل مكان من نص مشروع القانون، يفترض مقترحو هذا المشروع، بشك، أن الحكومة جيدة في تحديد وتمويل تطبيقات معينة من البحث الأساسي. على سبيل المثال، ركزوا بشدة على أشباه الموصلات، بتخصيص 52 مليار دولار من أجل “خلق حوافز مفيدة جديدة لإنتاج أشباه الموصلات لأمريكا” ، و24 مليار دولار منها سوف يتم تخصيصها لسنة 2022 وحدها من وزارة الخزانة.

وسوف تستخدم هذه التمويلات من أجل تشجيع بناء مصانع محلية “من أجل التصنيع، والاختبار، والتغليف المتقدم لأشباه الموصلات عند عقد تكنولوجية ناضجة”. ولكن كما يوضح بعض الباحثين فإن صناعة أشباه الموصلات في الولايات المتحدة هي بالفعل في وضع صحي ورابحة. ومع الإشارة إلى تاريخ فشل الجهود في الثمانينيات والتسعينيات في دعم صناعة أشباه الموصلات، يشير هؤلاء الباحثين إلى أن معظم أشباه الموصلات التي تستوردها أمريكا تأتي من حلفائها، وهو ما يقلل من الحاجة للتدخل الاستراتيجي في القطاع.

وتذهب كروجر أنه لدى الحكومات سجل ضعيف في تحديد “الفائزين”-سواء كان ذلك في شركة أو فئة من فئات التكنولوجيا-بينما الشركات الخاصة أثبتت أنها أفضل في تحويل الاكتشافات الجديدة إلى منتجات جديدة أو التوفير في التكلفة. وهذا هو السبب في أن الولايات المتحدة تقليديا تمسكت بتمويل البحث الأساسي.

وهدف مشروع قانون الابتكار والمنافسة في تقوية قدرات البحث الأمريكية هو من حيث المبدأ هدف لا خلاف عليه وجدير بالثناء عليه. وبينما من المؤكد ضرورة العمل على زيادة التمويل لهيئة البحث الوطني، فإن هذا لا يعني أنها تحتاج إلى قواعد إدارية جديدة. وبينما من المؤكد ضرورة العمل على تحسين التعليم والتدريب وجعل الالتحاق أكثر يسرا، فإن هذا لا يعني أنه على الحكومة الإشراف على البحث التطبيقي، أو أن يعاد توجيه التمويل بعيدا عن الجامعات الرائدة عالميا.

وهكذا جاء مقال كروجر يحتوي على نقد حاد لمشروع قانون مجلس الشيوخ، وما تراه نحو تحول الولايات المتحدة لتبني سياسة صناعية. والواقع أن هذا النقد قد جانبه الصواب كما نرى في بعض المواضع، إذ استسلمت كروجر لدواعي أيديولوجية لتنكر الواقع، فرفضها للسياسة الصناعية يأتي في مواجهة الواقع الذي يقول بنجاح باهر لهذه السياسة في دول شرق وجنوب شرق آسيا، فما كان للصين أو كوريا أو تايوان على سبيل المثال تحقيق نهضتها الاقتصادية الجبارة دون اتباع سياسة صناعية محددة.

أيضا فيما يتعلق بإنتاج أشباه الموصلات، فإنه لا يمكن إنكار حقيقة أن الدول المسيطرة على الإنتاج العالمي هي تايوان وكوريا الجنوبية، ورغم قولها بنجاح إنتاج أشباه الموصلات في الولايات المتحدة فلم توضح لماذا هبطت إذا حصة الولايات المتحدة من الإنتاج العالمي من أكثر من 30% في التسعينيات إلى ما لا يزيد عن 12% حاليا؟. كما لا يمكن إنكار حقيقة أن من طالب بتدخل الحكومة بالدعم لهذه الصناعة هم أقطاب القطاع الخاص كما عبرت عنه منظمتهم “اتحاد صناعة أشباه الموصلات”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق