صحة

الجراثيم المقاومة للمضادات ستتسبب في الجائحة القادمة

حذر رئيس قسم الأحياء الدقيقة في جامعة جنيف منسق فريق منظمة الصحة، رافايل كانتون، في حديث خاص مع «الشرق الأوسط»، من أن الجراثيم قد بدأت بالتكيف من أجل البقاء منذ ظهور المضادات الحيوية الأولى، مثل «البنسيلين»، وراحت تطور مقاومة متزايدة لها، إلى أن أصبحت تشكل خطراً يتفاقم يومياً، ولا يكف الخبراء عن التحذير منه، كما حصل بالنسبة لجائحة كورونا التي لم تلقَ التحذيرات المتكررة منذ سنوات من وقوعها آذاناً صاغية لدى الجهات المعنية في الحكومات.

وأشار كانتون إلى أن 75 في المائة من المصابين بفيروس كورونا في المستشفيات الأوروبية يعالجون أيضاً بالمضادات الحيوية، رغم أن نحو 10 في المائة منهم فقط يصلون مصابين بالتهابات جرثومية، وفقاً لبيانات المكتب الإقليمي الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية، مضيفاً أن الجراثيم المقاومة للمضادات ستتسبب في الجائحة.

وفي خريف عام 2016، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعو إلى تنسيق الجهود الدولية استعداداً لمواجهة أزمات صحية واسعة النطاق كانت منظمة الصحة العالمية قد حذرت في السابق من وقوعها، ودعت الحكومات إلى تعزيز خدماتها الصحية الأساسية تحسباً لها. وفي تقرير لمنظمة الصحة العالمية صدر أواخر ذلك العام، نبه الخبراء إلى أنه بحلول عام 2050، ستقضي الجراثيم (بكتيريا) المقاومة للمضادات الحيوية على 10 ملايين شخص. وحض التقرير الدول على الإسراع في اتخاذ التدابير اللازمة، قبل أن تتحول هذه الجراثيم إلى المسبب الأول للوفيات في العالم.

ويعكف فريق من الاختصاصيين في العلوم الجرثومية منذ عامين، تحت إشراف المنظمة الدولية، على وضع خطة شاملة لمواجهة انتشار الجراثيم التي كانت حتى أواسط القرن الماضي السبب الرئيسي للوفيات في العالم، إلى جانب الفيروسات، قبل ظهور اللقاحات والمضادات الحيوية الفاعلة التي ساهمت بشكل جذري في الحد من أضرارها.

ويضيف كانتون أن نحو 700 ألف شخص يموتون سنوياً في العالم بسبب إصابات ناجمة عن جراثيم مقاومة للأدوية المعروفة، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد بسرعة في السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن العثور على جراثيم مقاومة للمضادات الحيوية في المستشفيات كان أمراً نادراً في السابق، لكنه أصبح مألوفاً في الوقت الراهن.

وينبه كانتون إلى أن سوء استخدام الأدوية من جانب المرضى وفي المستشفيات وللحيوانات هو السبب الرئيسي الذي يساعد الجراثيم والفيروسات على التكيف والتعايش معها. ويذكّر بأنه عندما ينهي المريض علاجه قبل المهلة المحددة، أو يتناول مضادات حيوية بلا مبرر علمي لتناولها، تبقى الجرثومة على قيد الحياة بعد التعرض للدواء وتزداد مناعة، كما لو أنها تلقت تدريباً على ذلك.

وكانت دراسة قد بينت مؤخراً أن العولمة تساعد على انتشار المقاومة بين الجراثيم، إذ لوحظ أن مادة بروتينية تمد الجراثيم بالقدرة على مقاومة المضادات الحيوية رُصدت للمرة الأولى في أحد مستشفيات نيودلهي انتقلت إلى مجاري المياه في المدينة، ثم وصلت في غضون أشهر إلى أكثر من 100 بلد، وظهرت في عينة جرثومية أخذها باحثون في أرخبيل «سفالبارد» في القطب المتجمد الشمالي.

وفي حين يحذر كانتون من أن ظهور الجائحات في المستقبل لم يعد موضع جدل علمي حول حدوثه، بل حول توقيته ومواصفاته، يشير إلى أن ديناميكية انتشار الجراثيم تجعلها أبطأ من سريان الفيروسات، فضلاً عن أن القدرة المتوفرة لمكافحتها أكبر. وتجدر الإشارة إلى أن ثمة توافقاً دولياً يتبدى بوضوح في الخطط التي وضعها عدد من وكالات الأمم المتحدة بأن مقاومة المضادات الحيوية أصبحت مشكلة عالمية تهدد الصحة والأمن الغذائي، وتنذر بتداعيات اقتصادية خطيرة، لكن صعوبة التدابير اللازمة لمواجهتها، وظهور جائحة «كوفيد-19»، يقفان اليوم عائقاً أمام انطلاق هذه الخطط وتفعيلها.

ويذكر خبراء منظمة الصحة أن نصف الطلبات على المضادات الحيوية في العالم لا مبرر لها، ويشددون على وضع خطط واضحة إلزامية للأطباء والصيادلة، وحملات توعية للمواطنين، لضبط استخدام المضادات الحيوية، وقصرها على الحالات الضرورية. ومن الشروط المهمة لنجاح هذه الحرب على الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية تطوير ترسانة الأدوية المستخدمة فيها. ويقول خبراء منظمة الصحة إن تطوير مضادات حيوية جديدة يتباطأ باستمرار منذ ستينيات القرن الماضي، بعد أن تم تطوير نحو 20 نوعاً من هذه المضادات. ويعود ذلك إلى أن هذه الأدوية لا تحقق أرباحاً كبيرة للشركات، كتلك التي تجنيها من أدوية مكافحة السرطان مثلاً التي يتناولها المرضى لفترة طويلة، أو تلك التي يتناولها المصابون بأمراض مزمنة مدى الحياة.

ويذكر أن بعض شركات الأدوية سبق أن سحبت بعض المضادات الحيوية من الأسواق لمردودها المالي الضعيف. وتقدم منظمة الصحة العالمية حالياً مساعدة فنية لعدد من البلدان لتطوير وإنتاج أدوية لا يخضع توزيعها وبقاؤها في الأسواق للاعتبارات الاقتصادية. وتحت عباءة منظمة الصحة العالمية، بادرت 23 شركة عالمية للأدوية والتكنولوجيا الأحيائية إلى إنشاء صندوق لتطوير وإنتاج عدد محدود من المضادات الحيوية المبتكرة، يتراوح بين اثنين وأربعة، وخصصت مليار دولار لتمويله في السنوات العشر المقبلة.

ويقول كانتون إن ثمة مؤشرات كثيرة تدعو إلى التفاؤل إذا توفرت الإرادة اللازمة عند الدول، واقترنت الوعود بالأفعال، ضمن الجداول الزمنية المحددة. ويشير إلى أن الوتيرة البطيئة لتطور هذه الأزمة تسمح بالاستعداد لها بالشكل المناسب، ويذكر بحالات ظهرت مؤخراً، مثل الطفلة البريطانية إليزابيث هولداوي التي تمكن الأطباء من إنقاذها في يوليو (تموز) الفائت بمضاد حيوي محور وراثياً من إصابة كانت المضادات العادية عاجزة عن معالجتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق